مقالات

«مياه النيل أثمن ما تملكهُ مصر»

بقلم – د. محمد رجب تمام:

لا أجد كلمات لعنوان هذا المقال تعبر صراحة عن حقيقة لا مزايدة فيها على الإطلاق غير هذه الكلمات التى اخترتها لهذا العنوان، لعل القارئ يستشعر كل حرف ويقف للتفكير والتأمل حول حقيقة هذه الكلمات. 

قال الله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شىء حي”، والماء بصفته المصدر الأساسی للحياة لا يمكن الاستغناء عنه؛ لذا لا يمكن تصور مصر بدون مياه النيل، مصر التى تبلغ مساحتها مليون كيلومتر مربع ويعيش على أرضها مائة مليون نسمة، فى حين تقع معظم أراضيها فى منطقة مناخية جافة حسب تصنيف معظم خبراء المناخ فى العالم. 

هل لنا أن نعلم أن قدماء المصريين أدركوا منذ ألاف السنين قيمة مياه النيل عندما وصفوه بهذه الكلمات: “إن الخير الذى يجلبه النيل أجل نفعًا من الذهب والفضة، وأغلى من الجواهر، وإن الناس لن تأكل الذهب وإن كان خالصًا، ولن تتعذى على الجواهر ولو كانت حرة نقية”.

وهل لنا أن نعلم أن الماء عنصر مهم فى كافة مجالات الحياة وخاصة فى التنمية والصناعة؛ فلإنتاج لتر واحد من البترول يلزم عشرة لترات من الماء، ولإنتاج علبة من الخضر المحفوظة يلزم 40 لترًا من الماء، ولإنتاج كيلو جرام من الورق يلزم مائة لتر من الماء، ولإنتاج طن واحد من الصلب يلزم 20 ألف لتر من الماء، كما أن الماء عنصر مهم فى توليد الطاقة. 

وتعتمد مصر على مياه نهر النيل بنسبة 97%، فى حين تصل احتياجاتها المائية الفعلية إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنوياً فى الوقت الذى لا تتجاوز فيه موارد مصر المائية من النيل وغيره من مياه جوفية 60 مليارا سنوياً، بعجز يصل إلى 54 مليارا سنويا، ويتم سد هذه الفجوة من خلال إعادة استخدام المياه، واستيراد محاصيل زراعية.

كل هذا فى ظل اعتماد 40 مليون فرد فى مصر على الزراعة كمصدر رئيسي لدخلهم وبالتالي اعتمادهم على مياه النيل، فهو الباعث الحقيقى لحياة المصريين، وهو شريان الحياة، فبدونه تتوقف الأنشطة الاقتصادية كافة؛ من: “زراعة، وصناعة، وملاحة، وتجارة، وسياحة، وكهرباء”، وتصبح مصر صحراء بلا زرع ولا ماء.

وتملك مصر كثيرا من الثروات المتنوعة، ولكن لا تملك سوى مصدر واحد للمياه العذبة وهو نهر النيل، لا نريد أن نلوم أنفسنا وياتى يوما ما “لا قدر الله” ندرك فيه قول أحد الحكماء “نحن لا نعرف قيمة الماء حتي يجف البئر” فنهر النيل بالنسبة لمصر مصدر حياتها ووجودها وأغلى ما تملك، ويجب المحافظة عليه.

نحن نعلم أن نهر النيل نهر دولي تمر مياهه فى عشر دول، ولكن ما نعلمه أيضا ويعلمه الجميع أن علاقة مصر بدول حوض النيل قامت منذ القدم على المودة والسلام، ولم يقع أي صراع أو صدام بين مصر وأي من دول حوض النيل حول استخدام مياهه على مر العصور.

 وبذلت مصر عبر تاريخها كثيرا من الأموال والأنفس فى رحلات استكشاف النهر منذ عهد الفراعنة مرورًا بحملات محمد علي باشا وخلفائه، كما استقدمت كبار خبراء العالم للعمل لديها من أجل دراسة النهر، وإعداد المقاييس لضبط مياهه.

كما أن مصر تملك من الحقوق والمعاهدات الدولية ما يحفظ حقها فى مياه النيل، ولكن لا يغيب عنا إثارة القوى الخارجية للضغائن بين دول الحوض، مما يجعل على مصر الآن مسئولية إدارة هذا الملف بحكمة وعزم وقوة غير متناهيين.

علينا أن ندرك جميعا أن مياه النيل، التي أرسلها الله، تتدفق إلى أرض مصر، والتى قامت على ضفافها منذ آلاف السنين أقدم حضارة لأعرق شعوب المنطقة هى أثمن ما تملك مصر، ولا يمكن التهاون أوالتفريط فيها مطلقا. حفظ الله مصر وما تملك وأدام عليها نعمه وفضله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى