البراجماتية والواقع السياسي

بقلم – د. هشام فخر الدين:

لا يخفى على أحد مؤيد أو معارض العداء التركي الظاهر للدولة المصرية، والدور التركي على مدار السنوات الثماني الماضية في محاولات مستميتة لهدمها واحتضانها الهاربين، وتقديم الدعم اللوجيستى بكافة مستوياته للجماعة الإرهابية، مدعوماً برأس المال القطري، عبر التوجيه والسياسة الأمريكية الذي تم فضحها على مدار السنوات الماضية، سعياً منها عبر أدواتها لتحقيق أهداف ومصالح سياسية واقتصادية لتقسيم مصر والعالم العربي، الأمر الذي لم يحدث بفضل الله تعالى ثم القيادة الواعية عبر ثورات الخراب العربي.

فبرؤية سياسية نجد بروز مسلمات النظرية البراجماتية السياسية، والتي أضحت من المفاهيم الشائعة بشكل كبير في المجال السياسي على المستوى العالمي، وأصبحت أغلب الأنظمة السياسية أنظمة براجماتية تبحث عن مصالحها ومنافعها في الميدان العالمي والإقليمي، وعادة ما تعكس تلك الأنظمة ثوابتها الوطنية في سلوكياتها الخارجية.

فالبراجماتية التي تعد من أبرز الأسس الفلسفية التي بني عليها الفكر السياسي والإستراتيجي الأمريكي والسياسة الأمريكية اللاحقة والمعاصرة، وأصبحت اليوم المدرسة التي تحكم السياسة الأمريكية لكونها تتلاءم بشكل كبير مع طبيعة المجتمع الأمريكي وتركيبه الديموجرافي.

فالبراجماتية بشكل عام تحكمها معايير أخلاقية وقيم دينية بشرط أن تكون هذه المعايير والقيم لا تنفصل عن وسائل تحقيقها, فالأخلاق والقيم الأخلاقية حسب المفهوم البراجماتي تكون فارغة وعقيمة إذا انفصلت عن وسائل تحقيقها، فكل فكرة لا بد أن يكون هناك مجالاً لتطبيقها على أرض الواقع.

وهذه المعايير البراجماتية النفعية جردت من خلال السياسات الأمريكية اللاحقة وبحكم منطق العلاقات الدولية وواقعية الحياة السياسية الدولية، التي تتطلب وفق المفهوم الأمريكي الواقعي عدم الالتفات إلى المعايير الأخلاقية والمبادئ المثالية في إطار التعامل الدولي, والنظر إلى المصلحة القومية، والقوة كهدف أسمى لتحقيق السيادة الدولية بشكل كلي ورسم الإستراتيجية الأمريكية وفق منطق البقاء للأقوى.

فواقعية السياسة الدولية والعلاقات الدولية المعاصرة لا يتطلب وفق هذا المفهوم العمل بالمبادئ والمثل الأخلاقية, فواقع عالمنا المعاصر تحكمه الداروينية التي تعد من أهم المرتكزات التي أسس عليها الفكر البراجماتي بشكل خاص والفكر السياسي الأمريكي بشكل عام.

فهي التي تحكم السياسة الدولية قاطبة، فكل دولة اليوم تبحث عن قوتها ومصلحتها أينما وجدت، بغض النظر عن المعايير الأخلاقية إذا تعارضت مع تحقيق هذا الهدف، وهذا ما يدل على بلوغ الفكر العالمي ولاسيما السياسي – الاقتصادي قمة الهرم البراجماتي.

ومن هنا يتضح حقيقة المغازلة التركية عبر قيادتها وتغيير نمط العداء إلى الترجي عبر تصريحات أردوغان وحكومته طلب التصالح مع مصر، وذلك نابع من مبدأ البراجماتية السياسية، نظراً لقوة مصر وسيادتها وموقعها ومكانتها بين دول العالم على عكس ما كان مخططاً له.

إلا أنه غفل أو تناسى ما يجب عليه من وقف المنابر الإعلامية التحريضية ضد مصر والتي تبث من تركيا، بالإضافة إلى سحب كل المرتزقة التي أرسلتهم إلى ليبيا، والكف عن التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية، فإن قام بتلك الخطوات حينها فقط يمكن الحديث عن بدء عملية مصالحة مع مصر.. فضلاً عن تسليم كل عناصر الإرهابية لمصر وهذا ما تفرضه البراجماتية السياسية والتي فرضت نفسها على الجانب التركي فلا مفر من توافق التصريحات مع السياسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *