حتى تكون جامعة

بقلم – د. هشام فخر الدين:

“على رئيس الجامعة وعمداء الكليات ألا يتناسوا أنهم في البدء والنهاية، هم أعضاء هيئة تدريس، عزتهم من عزة أعضائها وشموخهم من شموخهم، وأن تبوءهم هذه المناصب يفرض عليهم حماية هؤلاء الأعضاء الذين هم بهم ومعهم مطالبين بقطر عربة التقدم والتطور والتنمية للمجتمع الذي شرفهم بذلك” هذا تعقيب من المحكمة الإدارية العليا في حكم بإلغاء عقوبة التنبيه لعضو هيئة تدريس طعن عليه أمام المحكمة في مارس 2020.

فلا شك أنه بالتعليم تنهض الأمم وتتقدم وتسود وترتقي. وبنظرة فاحصة ومدققة نجد أن واقع التعليم بصفة عامة، والجامعي بصفة خاصة، يعانى مشكلات لا حصر لها بداية من الأستاذ الجامعي ومرورًا بالطلبة وانتهاء بالإدارة. سواء الإدارة على مستوى الكلية أو الجامعة، وبالنسبة للأستاذ الجامعي يعاني من فقدانه لمكانته ولدوره الأساسي في التعليم. حيث تحول الجو العام في بعض الجامعات إلى صراعات، فضلا عن كون بعض القائمين على الإدارة أصبحوا شيوخ جماعة وعصبة يعادى من تعاديه جماعته ويهادن من تهادنه جماعته، فضلا عن فقدانه لدوره كأستاذ معلم وكونه مديرًا لمؤسسة، متبعا مبدأ فرق تسد.

بالإضافة إلى استغلال سلطته والتهديد بكل ما ليس قانوني لأنه أصلا لا يعي القانون وحدوده. ومن ثم تعالت الأصوات المنادية بضرورة أن تكون القيادات الجامعية من خارج أعضاء هيئة التدريس لتجنب الصراعات والفساد الإداري، حتى يتفرغ عضو هيئة التدريس للبحث العلمي وتعليم طلابه، وتعيين آخرين كمدير للجامعة، واستحداث هذا المسمى بدلا من رئيس الجامعة ومدير الكلية بدلا من عميد الكلية، وخاصة من يتقنون فن الإدارة ويفهمون القانون.

حيث أن مهمة عضو هيئة التدريس هي البحث العلمي والتعليم وإخراج أجيال صالحة ونافعة للمجتمع وفاعلة فيه. وذلك أسوة بما يحدث في العالم المتقدم، فحينما تحتاج الكلية إلى مدير يتم عمل إعلان دولي عبر شروط محددة لمن يدير الكلية وكذا الجامعة، بغض النظر عن الجنسية، وذلك بعكس ما يحدث فتدخل الوساطة وتعيين من ليسوا أهلا للإدارة.

بالإضافة إلى تقسيم أعضاء هيئة التدريس إلى قسمين قسم يختص بالتدريس وله فيه موهبة الإبداع وتوصيل المعلومة والتفاعل مع الطلاب، وقسم آخر مهمته البحث العلمي والمشاركة في تقديم حلول فاعلة لما يعانيه المجتمع من مشكلات ونكبات وكل يترقى حسب مهمته، لا دخل للجان ولا فساد ولا محسوبية ولا وساطة. هكذا يحدث في جامعات العالم المتقدم. فضلا عن سوء الأوضاع المالية لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، عكس ما يحدث في العالم المتقدم الذي يعي حقيقة أهمية العلم في التقدم والنمو.

أما بالنسبة للطلبة، فالطالب منذ المرحلة الابتدائية يعاني من سوء المناهج والكتاب المدرسي العقيم الذي ينفق على طباعته أكثر من 18 مليار جنيه. وفيما يخص الطالب الجامعي فيعانى أولا وقبل كل شيء من كونه ضحية للواقع المؤلم داخل الكلية والجامعة.

وبالإضافة إلى المعاناة الأساسية والمدمرة للطالب وهى معاناته من سوء التوزيع، وخاصة دخولهم كليات نظرية لا فائدة منها ولا علاقة لها بسوق العمل نهائيا لا من قريب ولا من بعيد، ومن ثم فهي مرحلة لحصوله على شهادة ورقية تساعده فقط عند الزواج كحاصل على مؤهل عال وهذه كارثة بكل المقاييس.

وهذه أخطر ما يجنيه الطالب من مكاتب التنسيق وسياسات تعليمية لا تتماشى مع احتياجات سوق العمل، وكم تعالت الأصوات المنادية بضرورة تقليل أعداد هذه الكليات والحد منها وتقليل نسبة الطلبة في التوزيع عليها. فالتعليم النظري يخرج 85 % مقابل 15% من خريجة التعليم الفني وهذه كارثة، فالعكس هو المطلوب كما يحدث في الدول المتقدمة.

وبالتالي تزداد البطالة وتلتهم ثمار التنمية، ولكن الكارثة هي استقلال فروع الجامعات وما بها من كليات نظرية، وبالتالي ارتفع عددها وعدد خريجيها، وارتفاع معدلات البطالة حيث ان سوق العمل ليس بحاجة إليهم، ومن ثم يذهب عائد التنمية ومنجزاتها هباء ولا نشعر به.

ولعل هذا يجيب على توجه القيادة السياسية لإنشاء جامعات تكنولوجية تتواكب مع حاجة سوق العمل واحتياجات سوق العمل المحلية والعالمية، دون الإفصاح صراحة عن كارثة الـ85% من المخرجات التعليمية والتي لا فائدة منها ولدينا منها فائض يكفى احتياجاتنا لعشرات السنين القادمة. وهكذا بدأ التوجه السياسي لربط التعليم ومناهجه بسوق العمل واحتياجاته، فحل المعادلة ليس بالمستحيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *