البحث العلمي والتحديات

بقلم – د. هشام فخر الدين:

لا شك أن البحث العلمي يعد في آن واحد من أشقى وأرقى الأنشطة التي يمارسها العقل البشري على الإطلاق، فهو نوع من الجهاد المقدس لتحقيق التطور والنهوض، ومواجهة الأزمات وهذا الجهاد لا يمكن أن يتم في فراغ.

ومن ثم يتطلب توفير الحرية الأكاديمية والدعم المادي والأبنية والمنشآت والمعامل، وتوفير الإيرادات وتأهيل الكوادر البشرية وإيجاد الحوافز المادية والمعنوية والتي تجعل من الإنتاج الفكري عملا يستحق المعاناة والجهد المتواصل، إذ بالإنتاج الفكري نكون أو لا نكون.

ومما لا شك فيه أن إشكالية البحث العلمي من أكثر الإشكاليات طرحاً، ووجوداً على الساحة الدولية والعالمية، بصفة خاصة في ظل جائحة كورونا والتي دعت إلى وضع البحث العلمي على قائمة الأولويات، باعتباره قضية أمن قومي لمواجهة التحديات.

فالبحث العلمي على مر العصور يمثل أساساً للنهضة، حيث يمثل ركناً رئيسياً للحضارة والتقدم والرقى، فالدول لا تنهض من فراغ فبالعلم ترتقي الأمم، ومن هنا يبرز دور المؤسسة الرسمية في دعم البحث العلمي ومساندته، لمساعدة صانع القرار في اتخاذ إجراءات عملية مدروسة تفضي إلى تحقيق معدلات عالية في مؤشرات التنمية المستدامة.

وهكذا فان البحث العلمي أصبح ضرورة أساسية لتطوير الحياة البشرية، فضلاً عن أهميته في سياسة الدولة، بيد أن هذه الأهمية تبقى مرتبطة بمدى وعي الدولة بأهمية البحث العلمي والمراكز البحثية، إذ أن مستوى البحث العلمي في الدول العربية لا يزال منخفضاً نسبياً نتيجة لعوامل عديدة أهمها عدم وجود رؤية واضحة كإستراتيجية متبعة لتطوير البحث العلمي، وانخفاض نسبة الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الإنفاق الإجمالي.

فلقد أصبح القرار السياسي للسلطات الحاكمة، وللمؤسسات والهيئات الدولية، وللشركات العابرة للقوميات الاستثمارية والصناعية والإنتاجية؛ قائماً على نتائج دراسات وبحوث متعمقة، كما أن قراءة المستقبل، والتنبؤ بأزماته، ومتغيراته، والاستعداد له، لا يتم إلا من خلال الدراسات الإستشرافية المستقبلية، بالاعتماد على أسس ومنهجيات ونتائج البحث العلمي.

وبنظرة فاحصة لواقع البحث العلمي والمؤسسات البحثية من المحيط إلى الخليج، نجد أن البحث العلمي يواجه معوقات وأزمات، حالت دون رقي الأمة العربية والإسلامية إلى مستوى الحضارات والدول المتقدمة، في الوقت الذي تتقدم فيه الدول والمؤسسات بفضل البحث العلمي الذي يتمتع بالإنفاق والدعم وحرية الأكاديمية التي تكفل للباحثين حياة علمية حرة، ومناخاً علمياً يحقق النهضة الحقيقية التي تنشدها الدول والمؤسسات.

فأهم أدوات التقدم مرهونة بالتقدم في مجال البحث العلمي، وإن لم يتم الاهتمام بالبحث العلمي؛ فان العالم العربي سيبقى في حيز التقليد الأعمى والاستهلاك، ولن يصل لمستوى القياس العالمي بالتغني في وسائل الإعلام برقي الجامعات وأحجامها وأعدادها، وزيادة أعداد الخريجين بشتى التخصصات و85% منهم لا يحتاجهم سوق العمل، وإنما بما تحقق على أرض الواقع.

وبالنظر إلى واقع البحث العلمي العربي، فإنه يتسم بانخفاض حجم الإنفاق عليه، حيث يتدنى حجم الإنفاق على البحث العلمي والتطوير دون الحد المقبول عالمياً 1% من إجمالي الدخل القومي. وهذا يؤدي إلى عدم توفر البنية التحتية اللازمة للبحث، وانخفاض الإنتاجية العلمية في الوطن العربي.

فالمتأمل لواقع البحث العلمي العربي ومؤسساته في الدول العربية، يتبين له مدى الفجوة الواسعة بينه وبين المستوى البحثي والأكاديمي العالميين، فالدول العربية تفتقر إلى سياسة علمية محددة المعالم، والأهداف والوسائل. ولعل جائحة كورونا أظهرت الواقع الفعلي للبحث العلمي، كما أظهرت مدى الحاجة إلى البحث العلمي كسلاح ردع في مواجهة الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *