الحروب العلمية وإدارة الأزمات

بقلم – د. هشام فخر الدين:

لا شك أنه أصبح واضحا تسخير العلم وتكنولوجيا المعلومات والعلوم بشتى مجالاتها، خاصة البيولوجية والكيميائية لطرح نوعا جديدا من الحروب الصامتة والمدمرة بشكل غير مسبوق. والتي تحصد ملايين البشر في أن واحد، بسلاح فتاك لا يرى بالعين المجردة.

فالصراع والعنف كظاهرة أفرزها مجتمع التحديات والفرص، يمثل إحدى حقائق العلاقات بين البشر منذ فجر التاريخ، ولقد ازدادت حدته ووتيرته في ظل عالم اليوم الذي تحكمه قيم الرأسمالية وقوانين العولمة البراجماتية، والذي يتسم بالمتغيرات السريعة التي أسفرت عن توترات متنوعة، على الرغم مما أتاحته الحداثة بمظاهرها وإمكاناتها من تقدم وسيطرة شبه تامة وتحكم وفرص لم تكن في الحسبان ولم تكن متاحة من قبل في العقود السابقة.

فالعالم الآن يتسم بتعدد الأزمات الناجمة عن اختلال توازنات القوى الكبرى وأحادية القطب، مع سعي القوى الصغرى إلى تحقيق المزيد من الاستقلال والنمو، مما أدى إلى حدوث تصدعات وصراعات وتحالفات تمثلت في أزمات عالمية، إقليمية ومحلية ذات طبيعة زمانية ومكانية مركبة ومعقدة.

وظهور أنواع وأسلحة جديدة لم تكن معروفة وأشكالاً من الحروب غير التقليدية كالحروب البيولوجية ذات الأهداف الاقتصادية في المقام الأول والغير معلنة، للقضاء على كل من يراه الطرف الأقوى لا أهمية له ويجب التخلص منه بحجة أنه عبء على النظام العالمي.

 فلقد كان تفاعل العلاقات بين القوى والكيانات المختلفة وصراعاتها الخفية والعلنية، بهدف نقل مراكز السيطرة والهيمنة، إذ بينما تعمل الدول الصناعية الكبرى على امتلاك عناصر القوة المختلفة والارتقاء بوسائلها المادية، فإن الدول النامية تختلف أزماتها، بسبب إفرازاتها المتناقضة الناتجة عن الحقبة الاستعمارية بدلا عن طموحات الاستقلال والتنمية.

وإذا كانت الدول الكبرى تتعامل مع أزماتها بأسس علمية وأساليب تكتيكية دقيقة وفعالة، فإن الدول النامية ترفض إتباع هذه الأساليب في مواجهة أزماتها، مما يجعل الأزمة أشد عمقا وأقوى تأثيرا بسب التفاعل الواضح بين عدم إتباع تلك الأسس العلمية في التعامل مع الأزمات، وبين الجهل بها والتمسك بتلك الأساليب العشوائية التقليدية الغير فاعلة والغير قادرة على مواجهة أخطارها.

 وإذا كانت الأزمات تحدث في كل زمان ومكان خاصة بعد أن أصبح العالم قرية كونية واحدة متقاربة سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، فلقد بات أي من كياناته عرضة لأزمات تؤثر في مجتمعاته تأثيرات متفاوتة، ولذلك أصبح استخدام الأسس العلمية في مواجهة الأزمات ضرورة لا غنى عنها، وتبادل الخبرات ووضع من يصلح لإدارتها أمراً ملحاً لا مهرب منه.

وليس لتحقيق نتائج إيجابية من التعامل معها، وإنما لتجنب نتائجها المدمرة والفتاكة والمهلكة للمجتمع بأسره، وقد لا تتوقف على مجتمع بعينه وإنما تتعداه للعالم أجمع كما هو حادث اليوم ونراه ونعانى منه رعباً وانتظاراً لما قد يحدث. وعلم إدارة الأزمات يعد من العلوم الحديثة النشأة والتي برزت أهميته عبر التغيرات العالمية التي أخلت بموازين القوى الإقليمية والعالمية، مما أوجب تحليل حركاتها واتجاهاتها، إذ يعمل هذا العلم على التكيف مع المتغيرات وتحريك الثوابت ذات التأثير المتنوع في شتى المجالات وعلى كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

وتمر الأزمات عبر عدة مراحل أولها مرحلة الصدمة ثم مرحلة التراجع ثم مرحلة الاعتراف والتي تتجلى فيها العقلانية، ثم مرحلة التأقلم مع استخدام إستراتيجيات لمواجهتها، بحيث يجب التعامل بذكاء وحذر في هذه المرحلة، بحيث إن لم يتم ذلك فان الأمور سوف تتجه بخط بياني نحو الكارثة التي لا يحمد عواقبها.

وأخيراً مرحلة استعادة النشاط والتي تشمل إعداد وتنفيذ برامج قصيرة وطويلة المدى، والتي سبق وتم اختبارها وأثبتت نجاحها وتفوقها في مواجهة أزمات مشابهة، وعادة ما تكتنف هذه المرحلة روح الحماس وتقود إلى تماسك المجتمع إن لم يكن العالم أجمع، وتكاتفه في مواجهة هذا الخطر العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *