مقالات

«مصر ليست هؤلاء»

بقلم – د. هادي فخر الدين:

عندما أتحدث عن مصر، أجد نفسي مقصرًا مهما اجتهدت، ومُجمِلًا مهما فَصلت، وموجزًا مهما أطنبت، في الحقيقة إنها مصر التي طبع التاريخ في كل ناحية من نواحيها أثرًا فريدًا وحدثًا أبى أن يتكرر في غير جنباتها، بلد أطلت بتراثها في كل شيء، فكانت منبت العلوم ومظانها الأصيلة، واحتفظت بنبوغ أبنائها وإن تعددت وجوهه فإنه مطبوع وفطري ولا يعترف بالحدود والظروف فإن ندر في نطاقات التسهيلات فهو حتما يشع في أحلك الظروف وأضيقها.

فكما كان شوقي سليل الحسب والنسب جهبذا خارقا أتى في جوانب الشعر بما عجزت عنه الأقلام في عصره كان العقاد ببساطة وضعه الاجتماعي جهبذا أشع دون تلقي ونبغ دون ثراء فاحش، ليبقى الشعب المصري هو الشعب الذي لا يعرف معني القيد المادي مهما عظم ولا المعنوي مهما تفحل، إنها بلد خزائن الأرض والملك الذي تباهي به من ادعى أنه الله، إنها معبر الأنبياء ومقام الأولياء ومناط العز ومسكن الأزهر.

وليس من العيب بحال أنها بلد لا تخلو من العيوب كطبيعة البلاد لكن العيب فيها مفضوح ومستنكر، والتدين فيها شيمة وطبع، والسفور فيها منبوذ ومستهجن مهما ظن بكثرته عمومه، ربما نرى في إطلالات وسائل الإعلام «الميديا» وجوها ننكرها من المتشبهات بالرجال من النساء ومن المتشبهين من الرجال بالنساء، لكن غطاء «الإعلام» غطاء ضيق ونظرته محدودة لأنه لا يظهر من الشعب المصري إلا ما عطب وفسد، يكتفي  بكثير من أولئك الذين يثبتون أنه لا كمال على الأرض ليثبتوا أن الانحراف غصة كائنة في كل المجتمعات مهما علت الأقدار وتسامت الأخلاق، مهما صفت طباع القوم فلابد فيهم من ماكر وفاسد ومنتهج غير الصواب.

رسالتي في سطور حجمها ضيق الوقت وأرهقها الالتزام فلم تغرب، لا تدع وسائل الإعلام «الميديا» الضيقة بنظرتها السطحية في تناولها للموضوعات وفي منهجيتها المبرمجة وبريقها الزائف، تغير مفهومك عن الصفاء والنقاء فوالله لست وحدك نقيًا يا عزيزي لأن أمثالك كثيرون ولكنهم مثلك يتابعون عن كثب ويدعون في تضرع وخشوع، إن التضارب الأخلاقي على السطح المرئي إنما هو الظاهرة الصحية لنقاء من يسكنون غير السطح العفن.

مصر ليست سائقي الـ«توكتوك» بمهنة المغني وليس كل رصيدها لاعب كرة وإن كنت احترمه لرقي أخلاقه، لكن مصر التي سبقت الدنيا آلاف السنون أكبر من أن تنحصر شخص سطع نجمه في الإعلام، ولا في لاعب أو حتى عدد من الرموز التي خدمتهم الصدفة، فأظهروا ما لديهم من مواهب ربما لا تعدو قطرة في محيط أولئك الذين غيبتهم الظروف عن ساحات السطوع والشهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى