«الطرق الصوفية» تحكي قصة 3 مقامات في الإسكندرية

كتب ـ جان سعيد:

في الإسكندرية بمنطقة الأنفوشي يقع 3 من أشهر المقامات على مستوى محافظات الجمهورية – بل وخارج مصر، فيأتي لزيارتها الجميع من كل حدب وصوب، تشتهر «بالمراجيح» وحلقات الذكر، والمزار السياحي الذي يجذب الانتباه على مدار العصور لما يملكه من مميزات، وهم: «سيدي ياقوت العرش، أبو العباس المرسي، وسيدي البصيري» تستعرضهم «المنتدى» في التقرير التالي.

1- أبو العباس المرسي:

قال محمد السيد، 51 عامًا، موظف: إن للمرسي أبو العباس معه عدة ذكريات، فمنذ صغره وهو يهوى الذهاب إليه، وحتى عند تقدمه بالعمر وبالرغم من تنقله الدائم وسفره المستمر إلا أنه يهوى زيارة أبى العباس، مشيرًا إلى أن هذا المكان يُعد نزار سياحي يأتي إليه الجميع من كل حدب وصوب، ويأتي الجميع من شتى المحافظات، بلا ومن خارج مصر، فالمميز بالموضوع هو الروحانيات.

ويُعد أبو العباس المرسي من أشهر الأضرحة بالإسكندرية، ويزوره الصوفيون والمواطنون من كل مكان للتبارك به وقراءة الفاتحة وهو شهاب الدين أبو العباس الأنصاري المرسى، الذي ولد بالأندلس عام 626 هـ، وخلال عام 1242 عزم الحج إلى بيت الله الحرام عن طريق البحر وخلال رحلته هبت رياح في البحر المتوسط أغرقت المركب ولم ينج أحد سوى أبو العباس وأخيه واستقر بتونس إلى أن تعرف على الشيخ أبو الحسن الشاذلي، وسافر معه إلى مصر وعاش فيها حتى دفن بالإسكندرية عام 706 هـ بمقبرة باب البحر، حتى بني عليه الشيخ زين الدين بن القطان كبير تجار الإسكندرية مسجدًا.

2- سيدي ياقوت العرش:

يُعد ضريح العارف بالله سيدي ياقوت العرش، ضمن المساجد السبعة الموجودة بساحة المساجد بمنطقة سيدي المرسي أبي العباس غرب الإسكندرية، وهو لا يختلف جمالًا وإبداعًا عن غيره من مساجد آل البيت الصوفي.

سيدي ياقوت بن عبد الله الحبشي القرشي، والذي وُلد ببلاد الحبشة، ثم جاء إلى مصر واستقر في الإسكندرية بمحض الصدفة، حيث أنه اتصل بسيدي المرسي أبي العباس، وجلس عنده وتعلم الدين ثم قام على خدمته، فأحبه أبو العباس وقربه منه، ثم زوجه من ابنته «بهيجة» أو «مهجة» حفيدة الشيخ أبو الحسن الشاذلي.

ويسرد الشيخ جابر قاسم، قصته قائلًا: «إن شيخنا الجليل هو سيدي ياقوت العرش، الذي ولد ببلاد الحبشة منذ نحو 700 عامًا، وكان مجيئه إلى الإسكندرية بمحض الصدفة، حيث اشتراه تاجرًا للعبيد، وحينما اقترب من المدينة هاج البحر وأوشكت المركب على الغرق، ولكن الله نجاه ووقتها استقر في الإسكندرية وعاش بها»، مضيفًا أنه كان خليفة لسيدي المرسي أبي العباس، ومن تلاميذه الشيخ شمس الدين محمد اللبان، وسيدي شهاب الدين، وابن عطاء الله السكندري، مؤكدًا أنه أنجب بنتًا ثم زوجها لتلميذه سيدي شمس الدين محمد اللباد ثم ماتت في حياة زوجها.

ويوضح «قاسم»، أنه حينما توفى دُفن بمسجده ياقوت العرش، مشيرًا إلى أن علي مبارك يقول في خططه أن مسجد ياقوت العرشي، كان قد تهدم فجدده شيخ طائفة البنائين في الإسكندرية عام 1280 هـ، و1862م، وأقام شعائره فيه ووقف عليه أوقافًا، مؤكدًا أنه توفى في ليلة 18 من جمادى الأخر سنة 732 هـ عن عمر يناهز 80 عامًا، وقبره وضريحه موجود داخل مسجده بمنطقة بحري بحي المساجد بجوار مسجد سيدي المرسي أبي العباس، مشيرًا إلى أن المشيخة الصوفية تقيم له احتفالًا بذكرى مولده يوم 25 من رمضان من كل عام، ويأتيه كل المريدين من كل بقاع الأرض ليتباركون به.

هو أيضًا من أهم أضرحة الإسكندرية ويقع داخل مسجد ياقوت العرش بالأنفوشى بجوار مسجد المرسى أبو العباس، ويرتاد إليه المئات سنويًا من كافة الجنسيات لزيارته وقراءة الفاتحة والتبارك به، فهو سيدي ياقوت العرشي الحبشي.

3- سيدي البوصيري:

المشترك بينه وبين أبو العباس المرسي وجود «المراجيح» ـ وذلك تبعًا لقول أحد المارة ـ حيث يشتهر المقامان بوجود الميزة ذاتها؛ مما يميزهما عن دونهما، ويشتهر مقام سيدي البوصيري بحلقات الذكر.

ويقع سيدي البوصيري في الإسكندرية، وهو شرف الدين أبو عبدالله محمد بن سعيد حماد الملقب بالبوصيري وعاش في الفترة من 1213 إلى 1295م، وينتمي لقبائل عربية بالمغرب وهو من تلاميذ المرسى أبو العباس، واشتهر بالزهد ومدح النبي، وظل على خطى أستاذه المرسى أبو العباس حتى توفى ودفن بالإسكندرية على بعد أمتار من ضريح أبو العباس.

  • الطرق الصوفية في الإسكندرية:

الصوفية أو التصوف هو مذهب إسلامي، وهو منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله، أي الوصول إلى معرفته والعلم به، وذلك عن طريق الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وتحليه بالأخلاق الحسنة.

وينبغي الإشارة إلى أنه تمتد الطرق الصوفية في مصر بجذورها إلى القرنين الثالث والرابع الهجري، وباتت من الظواهر الاجتماعية الثابتة التي تنتشر في ربوع البلاد، فغطت مساحتها الجغرافية كلها، حتى اللحظة الراهنة، فلم تكد تخلو قرية أو مدينة من وجود أتباع لهذه الطريقة أو تلك.

وبلغت الطرق الصوفية في مصر الـ80 طريقة، إلّا أنّ أغلبها ينبثق، في الأصل، عن 6 طرق كبرى هي: «الرفاعية، والبدوية، والجيلانية، والشاذلية، والخلوتية، والدسوقية»؛ ولذا فهي تتشابه في أورادها، وشروط الانتساب لها، والمواصفات المطلوبة في شيخها، وآلية تولي خلافة الطريقة.

1- الطريقة الرفاعية:

وتُنسب هذه الطريقة إلى الشيخ ـ أحمد الرفاعي المولود في قرية حسن بالبطائح في العراق، واسمه الحقيقي «أبو العباس أحمد بن أبي الحسن البطائحي»، المنسوب إلى الإمام ـ موسى الكاظم، أما أحمد الرفاعي الموجود في مصر فيقول مريدو الطريقة أنه من نسله.

ويرتدي «الرفاعية» زيّاً أسودًا، ويشتهرون بالقيام بأفعال يستغربها الكثير، كاللعب بالثعابين، وركوب الأُسود، والدخول في النيران المشتعلة دون أن تحرقهم أو تؤثر فيهم، وغيرها من الأمور، إلّا أن بعض الباحثين ومنهم الدكتور ـ عامر النجار في كتابه «الطرق الصوفية في مصر» ذهبوا إلى أنّ هذه الأفعال لم تكن معروفة عند الشيخ ـ الرفاعي، لكنها استحدثت بعد وفاته.

وأرجعوا السبب في انتشار هذه الأفعال بين مريديه إلى القول بأن «الرفاعي» كان ممن يعرفون بحنوّه ورعايته للحيوان، ومن مراسمهم «عدة النوبة»، وهي عبارة عن الدفوف والطبول الأحمدية الكبيرة، يضربونها في ليالي الجمع، ويجتمعون عليها؛ لاعتقادهم أنها تنشط المريدين، وتروّح عن القلوب.

2- الطريقة البدوية:

تُنسب الطريقة البدوية إلى الشيخ أحمد بن علي البدوي المولود في مدينة فاس بالمغرب عام 596هـ ـ 1199م؛ حيث تذكر كتب البدوية أنه نزل مع أسرته مهاجراً من المغرب إلى مكة، إلّا أنه أقام بمصر، وتُوفي «البدوي» في مدينة طنطا بمصر عام 675هـ ـ 1276م، وهو عند الصوفية أحد الأقطاب الأربعة إضافة إلى «الجيلاني، والرفاعي، والدسوقي».

البدوية من أكبر الطرق الصوفية في مصر، ولها فروع كثيرة، وشارتها هي العمامة الحمراء، والعلم الأحمر، ويحتفل بمولد «الرفاعي» في ثلاثة مواسم الأشهر منها في شهر أغسطس، وتتوافد عليه الجموع من كل أنحاء مصر، ويقيم الأتباع حلقات الذكر، ويطوف الخليفة مع أتباعه المدينة، ويعتبر مولد أحمد البدوي أكبر موالد مصر.

وتنتشر الطريقة البدوية في جميع أنحاء مصر، ويوجد في مدينة طنطا شمال القاهرة ضريح البدوي، وتقول مصادر الطريقة إن عدد مريديها يتجاوز المليونين، إلا أنّ البعض يشكك في ذلك ويقول إنّ أعدادها أقل من ذلك بكثير، وقد تفرّعت منها طرق كثيرة في مصر أهمها: «الشناوية، والمرازقة، والشعيبية، والزاهدية، والجوهرية، والفرغلية، والإمبابية، والبيومية، والسطوحية، والحمودية، والتسقيانية، والكناسية، والمنايفة، والجعفرية، والجريرية ، والحلبية، والسلامية، والكتانية».

3- الطريقة القادرية «الجيلانية»:

مؤسسها هو عبد القادر بن موسى، المعروف بالشيخ عبد القادر الجيلاني أو الجيلي، ولد عام 471هـ ـ 1077م بجيلان، وهي منطقة في بلاد فارس، ويعتبر الصوفيون أنّ الجيلاني هو أول من نادي بالطرق الصوفية وأسسها، ومن مصنفاته: «فتوح الغيب، والفتح الربّاني، والغنية لطالبي طريقة الحق، وجلاء الخاطر».

ويعتقد المتصوفة أنّ انتشار الطريقة القادرية في مصر يعود إلى أحد أبناء عبد القادر الجيلاني، وهو عيسى بن عبدالقادر، صاحب كتاب «جواهر الأسرار ولطائف الأنوار»، وتقوم على الذكر الجهري في حلقة الاجتماع، والرياضة الشاقة بالتدريج في تقليل الأكل، والفرار من الخلق وسلوكهم، واستحضار جلال الله وعظمته؛ فبذلك تنقمع النفس وتتهذب.

4- الطريقة الشاذلية:

الطريقة الشاذلية هي أكبر الطرق المعروفة في مصر، وتنتسب إلى أبي الحسن علي بن عبدالله بن عبد الجبار الشاذلي، المولود عام 591هـ في غمارة، بالقرب من مدينة سبته المغربية، ثم انتقل أبو الحسن الشاذلي من شاذلة إلى تونس، فترك تونس وتوجّه إلى مصر ونزل الإسكندرية، وأخذ يدعو إلى التصوف إلى أن مات عام 656هـ، في صحراء عيذاب شرقي مصر، وهو في طريقه إلى الحج.

مركز الشاذلي الأول هو مدينة الإسكندرية، وطنطا بمحافظة الغربية، ودسوق بمحافظة كفر الشيخ، وأهم فروعها: «الحامدية، والهاشمية، والفيضية، والجازولية، والجوهرية، والسلامية، والفاسية، والخطيبية، والعفيفية، والمحمدية، والعروسية، والحصافية، وأخيراً طريقة الشيخ علي جمعة الشاذلية العلية».

ولم تُحدد لنا مصادر الطريقة عدداً معيناً لأعضائها، إلّا أّنها قالت إنه يتجاوز الـ50 ألفاً، أما طريقة الانضمام لها فتتشابه طقوس الانضمام إليها بطقوس الانضمام إلى الطريقة الشاذلية لما بينهم من صلة، فالانتساب إليها يكون بالمصافحة والتلقين والذكر، ولبس الخرقة الخاصة بهم.

5- الطريقة الخلوتية:

قيل إنها تُنسب إلى الشيخ محمد بن أحمد الخلوتي الذي نشأ في بيت المقدس، لكنه رحل منذ صغره إلى أقطار أخرى كثيرة ليبشّر بدعوته، وقيل إنها طريقة تركية ازدهرت في مصر إبان القرنين الـ12 والـ13 من الهجرة، وتُنسب في مصر إلى الشيخ مصطفى كمال الدين البكري، المتوفى عام 1162هـ.

وتنتشر في معظم محافظات مصر ومن فروعها؛ «السمانية، والضيفية، والغنيمية، والسباعية، والحدادية، والحبيبية، والمروانية، والمسلمية، والمصيلحية، والصاوية، والهاشمية، والقصبية، والشبراوية، والمحمدية، والجنيدية، والعمرانية، والقبيسية، والمغازية، والهراوية الحفنية، والمروانية، والصاوية، والعلوانية، والدومية، والقاياتية، والبكرية، والجودية، والبهوتية، والدمرداشية».

6- الطريقة العزمية:

أسسها محمد ماضي أبو العزائم، الذي ولد 27 رجب 1276هـ الموافق 22 نوفمبر 1869 في مسجد زغلول برشيد، وأسس الطريقة عام 1934م، وتعد من الطرق حديثة النشأة بدأت بأبي العزائم ـ محمد ماضي، ولا وجود لها قبله، بحسب المصادر التي تعدد أصول الطرق وفروعها وبيوتها، وتنتشر الطريقة العزمية في محافظات مصر، إلّا أنّ مركز ثقلها الرئيسي في العاصمة القاهرة، ولا يتفرّع منها فروع، وتقول مصادر الطريقة إنّ أعضاءها مليون مريد في مصر وحدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *